السيد كمال الحيدري

28

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

تستطع كلّ العواصف الفكرية والفلسفية أن تنتقص من سلطتها المطلقة على مدى هذه القرون المتمادية . وعندما انتقلت أصول الفلسفة المشّائية من خلال ترجمة الفلسفات اليونانية إلى اللغة العربية ، نجد أنّ فيلسوف العرب « يعقوب بن إسحاق الكندي » « 1 » كان في طليعة الفلاسفة الإسلاميين ، الذين حاولوا فهم وهضم هذه الفلسفات ، إلّا أنّ دوره لم يتجاوز الشرح والتفسير بالنحو الذي يجعلها متطابقة مع الأفكار الأساسية في الدين الإسلامي .

--> ( 1 ) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي . ولد بالكوفة في مطلع القرن التاسع الميلادي ( زهاء عام 185 ه 803 م ) ، وتوفّي في بغداد زهاء عام 260 ه 783 م . ظهر الكندي في عصر النهم الفكري ، الذي أظلّ المجتمع الإسلامي في عصر المأمون ، بألوان عديدة من الفلسفة الدخيلة على التفكير الإسلامي ، وعاش عصر الدور الانتقالي الكبير في الثقافة والمعرفة ، وذلك عندما أخذ الفكر العربي الإسلامي يعتمد على روافد أجنبية أغريقية وفارسية وهندية ، ويوم نشطت أعمال الترجمة لثقافات الأمم الأعجمية . كتب الكندي 275 رسالة في كلّ شيء في الحساب ، والهندسة النظرية ، والهيئة ، والظواهر الجوية ، وتقويم البلدان بالطبيعة ، والسياسة ، والموسيقى ، والطبّ والفلسفة . . . وكان يرى ما يراه أفلاطون من أنه ليس في وسع إنسان أن يصبح فيلسوفاً من غير أن يكون قبل ذلك عالماً في الرياضة . أما مظاهر تأثّره بالفلاسفة اليونانيين فيمكن أن نستنتجه من رسائله الكثيرة وبخاصّة التي تتناول سقراط ، فقد وضع خمس رسائل فيه . يعتبر أبو يوسف الكندي من أبرز وأقدم الفلاسفة الإسلاميين ، الذين أطلق عليهم اسم « فيلسوف » . كان طبيباً حاذقاً ، وفيلسوفاً عظيماً ، ومنجّماً ماهراً ، كما كان رياضياً مشهوراً . وشملت جهوده المتشعّبة في التصنيف أكثر جوانب المعرفة البشرية ، ولم يترك ناحية من نواحي الأبحاث الفلسفية إلّا وضع رسالة أو كتاباً فيها ، حتى أحصى ابن النديم مؤلّفات « فيلسوف العرب » ، وذكر أنها تبلغ زهاء 238 رسالة وكتاباً ، وأحصاها غيره وأنهاها إلى 265 رسالة وكتاباً وضعها في مختلف العلوم .